نشر في بواسطة تحت ملف المعاملات المالية .

جرت عادة النّاس في البيع والشّراء سواءً على مستوى الصفقات الخسيسة أم على مستوى الصّفقات النّفيسة في حالة الشراء والبيوع الآجلة بعدم تحديد موعد تسليم الثمن أو موعد تسليم المبيع (السّلعة) وهذا عقد غير صحيح باتفاق الفقهاء، ومثال ذلك:
أن يذهب زيد لشراء أغراض وسلعة من البقالة أو الحانوت بقيمة 500 ش مثلاً دون أن يدفع المبلغ على الفور لصاحب البقالة وإنّما على أن يسلّمه الثمن في موعد لاحق كأن يقول له لمّا أن تتيسر الأمور أو على قبضة المعاش ونحو ذلك، وليس الاشكال بمبدأ التأجيل والاستدانة في هذه المسألة ولكن الاشكال بعدم تحديد موعد محدد لتسليم الثمن وهذا يورث جهالة في العقد والتّي تفضي إلى النزاع غالباً، لذا كان من الواجب على المتعاقدين أن يحددا موعد تسليم الثمن كيوم كذا أو بتاريخ كذا لا أن يقول له على تياسير الأمور أو قبضة المعاش لأنّ هذا الأمر ليس معلوماً للطرفين إلاّ إذا بيّن له تاريخ قبضة المعاش، وفي حالة تأخر المعاش في هذه الحالة فبإمكان المدين (أي من بذمته الدّين) أن يتفق مع الدّائن على موعد آخر محدّد مع ملاحظة أنّ الواجب للبائع في ذمة المشتري في هذه المسألة هو نقود وليس بضاعة.
وصورة أخرى من صور البيوع الآجلة الفاسدة المنتشرة في أسواقنا، أن يذهب شخص إلى تاجر وليكن تاجر حديد مثلاً لأنّ هذه المعاملة كثيراً ما تقع في معاملاتهم، فيدفع مريد الشّراء مبلغاً للتاجر مقابل طن حديد مثلاً يستلمه لمّا أن يشرع في البناء بحسب سعر الحديد يوم استلام التّاجر للثمن، والملاحظ هنا أنّ الثمن معجل والمبيع وهو الحديد بمثالنا مؤجل، وليس الاشكال بتعجيل الثمن وتأجيل المثمّن وهو (الحديد بمثالنا) ولكنّ الاشكالَ يكمن بعدم تحديد موعد تسليم السّلعة، لذا حتى يصح العقد فلا بدّ من تحديد تاريخ معيّن لا يحتمل الجهالة، فإن تعذر التسليم في الموعد المتفق عليه جاز تجديد موعد آخر، ولكن مع ملاحظة أنّ الواجب للمشتري في ذمة البائع في هذه المسألة هو حديد وليس نقود.
ومن الجدير بالذّكر أنّه لمّا أن يقال عقد غير صحيح أي أنّه يترتب على ذلك إثم على الطّرفين وهو وما يكسبه كلّ منهما بموجب هذا العقد الباطل أو الفاسد كسب خبيث يوجب التوبة والتّحلل بفسخ العقد وذلك بردّ السّلعة على صاحبها واسترداد الثمن إلاّ أن يشاءا اجراء عقد من جديد.
وليس المراد بالعقد في المسألة التّي بين أيدينا وثيقة رسمية كعقد الزّواج وإنّما العقد المقصود في البيوع هو الايجاب والقبول بين الطّرفين بأي صيغة أو فعل يدلّ عليهما كما هو الشّائع والمتبع في عرفنا.
كما أنّ اتفاق الطّرفين على هذا العقد الباطل أو الفاسد المذكور أعلاه لا يغيّر من حقيقة العقد شيئاً فالتراضي لا يحلّ حراماً كما هو معلوم وإلاّ لكان الزنا والرّبا والقمار بناءً على هذا التّوهم من المباحات لأنّها جميعاً تقع بإرادة الطّرفين ورضاهما، ولكن لا عبرة لاختيار الفرد ورضاه مقابل عدم رضا الشّرع، فمقولة العقد شريعة المتعاقدين ليست صحيحة على اطلاقها انظر: (المجموع شرح المهذب (9\339)، الفواكه الدواني (2/ 80)، حاشية الدّسوقي (3/15)، حاشية ابن عابدين (4/529).
ومن الجدير بالذّكر أن تحديد موعد تسليم الثمن شرط لصحة العقد في البيوع والاجارة ونحوها من عقود المعاوضات وأمّا تحديد موعد تسليم المبلغ المقترض في الدّيون التّي منشؤها قرض وليس معاوضة فليس بشرط باتفاق الفقهاء، هذا وفي هذا القدر الكفاية لمن أدركته علوم العناية على أمل أن نلتقي مع عقد آخر من العقود المالية الفاسدة المنتشرة في حياتنا .

التعليقات مغلقة.