نشر في بواسطة تحت ملف فتاوى متفرقة .

تصوير المسألة: هي عبارة عن ماكنة على شكل صندوق يضع الطفل فيها مبلغاً من المال، ويوجد بداخل هذه الماكنة مجموعة من الدّمى والألعاب فتخرج يد حديدية متحركة لا يستطيع اللاعب التحكم فيها لتحصيل اللعبة أو الدمية التي يريدها وفي هذه الحالة قد تخرج لعبة وقد لا تخرج وقد تخرج اللعبة التي يريدها وقد تخرج لعبة أخرى؟
الجواب:
إنّ هذه اللعبة ضرب من ضروب القمار والاستغلال وذلك بسبب وجود الجهالة والغرر، فالطفل الذّي يضع مبلغاً من المال قد يربح وقد لا يربح وإذا ربح قد يربح اللّعبة التي يريدها وقد يربح غيرها.
حدثني صاحب محل تجاري أنّه جاءه شخص ما يمتلك هذه الماكنة بقصد وضع هذه الماكنة في محله مقابل نسبة معينة من المحصول الذّي يتجمع في علبة الماكنة يدفعه مالك الماكنة لصاحب المحل التجاري، فقال له صاحب المحل أوافق بشرط أنّ كلّ طفل يضع في هذه الماكنة مبلغاً أن يخرج له لعبة وإلاّ فلا يجوز هذا بشرعنا، فوافق مالك الماكنة ولكنّه رفع سعر التكلفة التي يتطلب من الطفل وضعها لكي تتحرك اليد الحديدية التّي في داخلها، ممّا يدلّ أنّ ربح هؤلاء يقوم على خسارة الطفل لماله حيث أنّه يضع مبلغاً وقد يكون لمرات متكررة وفي جميع هذه المرات لا يكمش شيئاً، وبذلك يكون مالك الماكنة قد أخذ مالاً بدون مقابل.
نعم لا شك أنّ الذّين يلعبون في هذه اللعبة لا يوجد في نيتهم القمار بل هم في الغالب لا يعرفون معنى القمار لأنّهم صغار، ولكن هذا ليس مبرراً للجواز، فالشرع إذا حرّم شيئاً وقعت الحرمة على الأمور الخسيسة والنفيسة منه وشملت الحرمة الكبار والصغار في الغالب، ثمّ إنّ الشرع لا يريد أن ينمّي في ابنائه بذرة الصدفة والمقامرة ومن المعلوم أنّ أفضل وسائل وطرق العلاج هي الوسائل الوقائية.
وإذا أردنا أن نكيّف هذه المعاملة تكييفاً فقهياً فإنّها أشبه ما تكون ببيع الحصاة الذّي كان منتشراً في الجاهلية، وصورته قديماً: أن يكون مجموعة ثياب مثلاً فيلقي المشتري حصاة فأي ثوب وقع عليه الحجر كان هو المبيع، وفي هذه الحالة قد يصيب الثوب الذّي يريده وقد يصيب غيره، والملزم للمشتري في هذه الحالة هو ما أصابه الحجر ومثال لآخر لبيع الحصاة قديماً: أن يدفع شخص لآخر مبلغاً ليشتري منه قطعة أرض مثلاً فيقول له البائع ارم الحجر فأينما وقع فهو لك. (انظر: شرح النّووي على صحيح مسلم، 10\156).
ولا شك أنّ بيع الكماشة فيه غرر أفحش من بيع الحصاة وذلك لأنّ في بيع الحصاة الغرر يكون في تحديد الثوب الذّي سيصيبه رامي الحجر وبالتالي هو سيصيب ثوباً ولكن لا يعرف الثوب الذّي سيصيبه، وأمّا في بيع الكماشة قد لا يخرج لعبة أصلاً.
جاء في شرح النّووي على صحيح مسلم (10\157): “واعلم أن بيع الحصاة وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن بيع الغرر ولكن أفردت بالذكر، ونهي عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة”.
والغَرَر هو: ما لا يُعلم عاقبته من الخطر الذي لا يُدرى أيكون أم لا؟ وبيع الغرر هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول، ويندرج تحت الغرر جميع البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول.
قال الإمام النّووي في شرحه على صحيح مسلم: ” وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق (العبد الشارد) والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع بعض الصبرة (كومة القمح) مبهما وبيع ثوب من أثواب وشاة من شياه ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل لأنه غرر من غير حاجة”. (انظر: شرح النّووي على صحيح مسلم، 10\156).
والمخرج الفقهي لصحة هذه المعاملة هو: أن توضع دمى ولعب من جنس ونوع ولون واحد في هذه الماكنة وأن يضمن لكل من يضع مبلغاً من المال خروج دمية أو لعبة وبذلك ينتفي الغرر والمقامرة.

التعليقات مغلقة.