نشر في بواسطة تحت ملف مقابلات صحفية .

لقد انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة فسخ الخطبة حتى أنّه يصدق أن يقال من النّادر أن تستمر خطبة، وتعود أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى خلفيات وأسباب عديدة منها شرعية وأخرى تربوية واجتماعية ونفسية، وحول هذه الظّاهرة وأسبابها وموقف الشّرع منها التقت صحيفة المدينة مع فضيلة الدّكتور مشهور فوّاز رئيس المجلس الاسلامي في البلاد والمحاضر في كلية الدعوة والعلوم الاسلامية للوقوف على الأسباب والدّوافع لانتشار هذه لظاهرة وبيان الخطوات الشرعية العملية الوقائية للحد منها.
1. صحيفة المدينة: فضيلة الدّكتور مشهور: ما حكم العدول عن الخطبة؟
الدكتور مشهور: الخطبة هي وعد بالزواج، والأصل في المسلم الوفاء بالوعد، لأنّ الله تعالى أمر بالوفاء بالعهود، قال تعالى: “وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولا” (سورة الإسراء، 34).
وقال صلّى الله عليه وسلّم: “آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان” رواه مسلم.
ولكن إذا كان هنالك ثمة أسباب مسوغة ومعقولة للفسخ ورأى كلّ من الخاطبين أو أحدهما أنّهما قد وصلا إلى باب مسدود وحاولا جادين ازالة عقبات الاستمرار من خلال التحاور فيما بينهما أو عن طريق طرف ثالث وجميع المحاولات باءت بالفشل فلا مانع من العدول حينئذ لأنّ الضرر الناتج عن الاستمرار في الخطبة في هذه الحالة أكبر من الضرر الناتج عن العدول.
2. صحيفة المدينة: هنالك مفهوم شائع لدى النّاس بأنّ عطية الأب أو قراءة الفاتحة تقوم مقام العقد بمعنى أنّ الخاطبين يصبحا في هذه الحالة بحكم الزّوجين، فهل هذا المفهوم لدى العوام صحيح أم لا؟
الدكتور مشهور: هذا مفهوم مغلوط وليس بصحيح اطلاقاً من النّاحيتين الشرعية والعرفية على حد سوء، أمّا من النّاحية الشرعية فلا تعتبر عطية الأب ولا قراءة الفاتحة زواجاً نظرأ لغياب ركن من أركان عقد الزّواج وهو التلفظ بلفظ الزّواج أو النّكاح بطرفي الإيجاب والقبول، وأمّا من النّاحية العرفية فعرف النّاس لا يتعامل مع عطية الأب وقراءة الفاتحة على كونها عقد زواج بدليل أنّ الشاب يترك الفتاة في مثل هذه الحالات ولا يتلفظ بالطلاق ولا يدفع لها صداقها، فهذا يدلّ على أنّ عرف النّاس على أنّها وعد وليست بعقد وإلاّ ترتب على القول بأنّها عقد زواج مصيبة كبرى ذلك أنّه لو اعتبرنا عطية الأب زواجاً لاستلزم ذلك طلاقاً وهذا لا يحصل في الواقع ممّا يترتب على هذا الفهم المغلوط باعتبار عطية الأب زواجاً أنّ هذه الفتاة في حالة العدول بلا طلاق تبقى على ذمة الشّاب الأول الذّي أعطيت له فإن تزوجت من آخر تعيش معه بالسّفاح والحرّام!!
والخلاصة: إنّ عطية الأب وقراءة الفاتحة لا تتعدى كونها وعداً بالزّواج ويعتبر كلّ من الخاطبين أجنبي عن الآخر في هذه المرحلة وفي حالة فسخ الخطبة لا يتطلب طلاق.
وقد حسم قانون قرار حقوق العائلة المعمول به في المحاكم الشّرعية في البلاد هذه المسألة حيث قد نصّت المادة (36) منه على ما يلي: “الإيجاب والقبول في النّكاح يكون في الألفاظ الصّريحة كأنكحت وتزوجت”.
3. صحيفة المدينة: ما هي حدود علاقة الخاطب بالمخطوبة بعد قراءة الفاتحة وقبل العقد؟
الدكتور مشهور: سبق وأن ذكرت أعلاه أنّ الخطبة في المفهوم الإسلامي ليست عقداً شرعياً فهي لا تعدو كونها مقدمة للزواج ووعداً به ولا يُغير من هذه الحقيقة ما جرى به عرف الناس من قراءة الفاتحة أو لبس الشبكة أو دفع المهر ونحو ذلك وهذا ما صرحت به المادة رقم 4 من كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، لقدري باشا :”الوعد بالنكاح في المستقبل ومجرد قراءة الفاتحة بدون إجراء عقد شرعي بإيجاب وقبول لا يكون كل منهما نكاحاً “.
هذا وقد صدر عن المجلس الاسلامي للافتاء في البلاد فتوى مفصلة بخصوص حدود العلاقة بين الخاطبين قبل العقد، اذكر أبرز حيث الأحكام على سبيل الاجمال:
1- لا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة في هذه الفترة ولا لمسها ولا حتى تلبيسها خاتم الخطوبة قبل العقد.
2- يحرم على المخطوبة أن تكشف أمام الخاطب في هذه الفترة سوى وجهها وكفيها؛ فلا يجوز لها لبس الملابس القصيرة أو البنطال، بل يجب عليها لبس الجلباب وغطاء الرأس.
3- لا يجوز للمخطوبة أن تسافر مع الخاطب لوحدها.
4- لا يجوز للخاطب أن يجلس بمحاذاة مخطوبته.
5.لا يجوز أن يجلس الخاطب والمخطوبة في غرفة لوحدهما.
6- يجوز للخاطب التحدث مع مخطوبته بالهاتف وغيره من وسائل الاتصال كالشبكة العنكبوتية (الإنترنت), مع عدم الاكثار من ذلك وعلى أن يكون الكلام جاداً مجرداً عن معاني الهوى والرذيلة وما يخرم بالمروءة.
لذا ينصح لكل من الخاطبين أن يعقد العقد الشرعي منذ البداية الأولى للخطبة تلاشياً لهذه المحظورات والمخالفات الشرعية.
4. صحيفة المدينة: ما هي حدود العلاقة بين العاقدين في مرحلة (العقد\الاملاك) وما قبل الزّفاف؟
الدكتور مشهور: اتفق الفقهاء على أنّه إذا وقع العقد صحيحاً مستوفياً للأركان والشروط فإنّ الآثار الشّرعية تترتب عليه مباشرة ويعتبر العاقدان بحكم الزّوجين من النّاحية الشرعية سواءً أكان العقد مسجلاً في الدوائر الرّسمية أم غير مسجل وهو ما يسمّى بالعقد البراني أو الاملاك الشرعي عند النّاس مع تحفظاتنا على هذا العقد البراني، ولكن لا بدّ من ملاحظة ما يلي:
نحذّر من الفوضى في العلاقة بين العاقدين قبل الزّفاف لما يترتب على ذلك من مفاسد اجتماعية، فالقلوب تتغير وتتبدل، وقد لا يستمر هذا الزّواج فتكون الضّحية هي الفتاة، وعلاوة على ذلك فإنّ الفتاة قبل الزّفاف في نظر النّاس تعتبر مخطوبة رغم وجود العقد، لذا فإنّ مثل هذه العلاقة وإن كانت لا تعتبر زنا شرعاً إلاّ أنّها في نظر النّاس غير مستساغة بل مذمومة إلى حدّ أنّه قد يتصورها البعض بأنّها زنا، وهذا لا شك فيه ضرر بسمعة الفتاة وإساءة لها، وقد ثبت بالتّجربة أنّ أغلب حالات حلّ رابطة العقد قبل الزّفاف سببه مثل هذه الفوضى في العلاقة بين العاقدين وعدم مراعاة العرف السّائد في مثل هذا الأمر، حيث جرت العادة ألاّ يتمّ الدّخول إلاّ بعد الزّفاف والإشهار، وهذا عرف لا يتعارض مع الشرع بل يخدم مقاصده والعرف كما هو مقرّر فقهياً إذا كان لا يخالف نصاً فإنّه معتبر شرعاً، ويزداد الأمر حدة وخطورة إذا كان العقد غير مسجّل رسمياً وهو ما يسمّى بالإملاك (العقد) البراني في عرفنا.
فهب لو أنّه حصل في هذه الفترة أي ما قبل الزفاف جماع ثمّ ترتب على الجماع حمل ثم مات الزوج أو لم يستطع إتمام الزواج لسبب من الأسباب فهنا تجد الفتاة نفسها في موضع حرج ينال من عرضها وعرض أهلها وسمعتهم، وهذا فيه من المفاسد ما فيه وما أيسر في ظل هذا الزمان أن يتنكر الزوج لزوجته وينكر معاشرتها ويرميها في عرضها بالشر والسوء.
5. صحيفة المدينة: سمعناك في أكثر من موضع وخطبة تحذّر من العقد البراني أو ما يسمّى الاملاك الشرعي، رغم أنّك ذكرت أنّه عقد شرعي فلماذا هذا التحذير منه؟
الدكتور مشهور: العقد البراني أو ما يسمّى الاملاك الشرعي هو عقد معتبر شرعاً إن كان مستوفياً للأركان والشروط الشّرعية ولكن حذّرت منه لاعتبارات عديدة أرى أن تخصص صحيفتكم تقريراً خاصاً عنه في العدد القادم ، ولكن ملخص تحذيري منه يكمن في جهل النّاس لحقيقة هذا العقد وما يترتب عليه من آثار شرعية.
6. صحيفة المدينة: ما هي أسباب انتشار ظاهرة فسخ الخطبة حسب رأيكم؟
الدكتور مشهور: هنالك أسباب عديدة وراء ظاهرة فسخ الخطبة، أهمها:
أ. اطالة الخطبة وذلك لأنّ اطالة خطبة تعني فسخ خطبة.
ب. الفوضى في العلاقة بين الخاطبين: ذلك أنّ القلوب تتغير وتتبدل خصوصاً وأنّ فترة الخطبة لا تقل عن سنة في الغالب المعتاد ممّا يقتل عنصر الاشتياق لدى كلّ من الخاطبين فيولّد حالة من النفور.
ت. عدم الوعي والنّضوج الكامل لمعنى الخطبة وأحكامها لدى كلّ من الخاطبين.
ث. عدم التكافوء بين الخاطبين وهذا يعود إلى التعجل والتهور في القبول.
ج. عدم الوضوح بين الخاطبين من البداية حيث قد يكتم أحد الخاطبين بعض العيوب عن الآخر.
ح. اساءة استخدام التقنيات الحديثة كالفيس بوك ونحوه حيث قد يتورط الشاب أو الفتاة بعلاقة محرمة والشيطان يزيّن لكل منهما المعصية ممّا يجعل كلا من الخاطبين أن ينفر من الآخر، لذا صدق من قال الاختلاط سرطان الحياة الزوجية ومثل ذلك يقال في الخطبة أيضاً.
7. صحيفة المدينة: ختاماً ما هي النّصيحة التّي تقدمها للخاطبين والعاقدين وللآباء والأمهات وأصحاب المسؤولية؟
الدكتور مشهور: أوصي كلاً من الخاطبين والعاقدين والأهل بما يلي:
أ. انصح بعدم التعجل والتهور في اتخاذ القرار في أمر الخطوبة بدون استشارة واستخارة، وامتثال هدي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في البحث عن الجانب الدّيني والخلقي أولاً قبل كلّ ذي بدء لدى الخاطب والمخطوبة على حد سواء.
روى الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).
وجاء في جامع الترمذي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). [رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب].
ب.عدم الفوضى في العلاقة والتمادي الذّي يخرج عن حدود الشرع والعرف والذّوق السّليم لأنّ القلوب تتغير وتتبدل والضحية الوحيدة بسبب ذلك هي الفتاة وكما ويجب على الأهل ضبط علاقة كل من الخاطبين بل والعاقدين في إطار الشرع والعرف وذلك بعدم إتاحة الفرصة للخاطب أن يخلو بالمخطوبة وعدم توفير الظروف التي قد تفضي بهما إلى المخالفة الشرعية أو العرفية.
ت. انصح كلاً من الشاب والفتاة باستغلال واستثمار فترة الخطبة أو العقد الأمور النّافعة كقراءة القرآن وحفظه وقراءة الأحاديث النّبوية والأذكار وقراءة كتب تتعلق بالحياة الزوجية وما يترتب عليها من حقوق وواجبات ومسؤولية.
ث. أن يظهر كلّ من الخاطبين على سجيته وحقيقته فإنّ ذلك أدعى لنجاح الحياة الزوجية واستمراريتها فيما بعد.
ج. ننصح بالإسهام في عملية الإسراع بالزفاف عن طريق تذليل عقباته من نفقات كثيرة وتكاليف باهظة ذلك أن طول فترة الخطبة قد يصاحبه متغيرات اجتماعية وثقافية تقلّب القلوب وتغيّر النفوس؛ فإطالة خطبة تعني فسخ خطبة كما سبق.
ح. انصح الأخوة أصحاب المسؤولية سواءً على مستوى البلدية أم على مستوى المدارس أم على مستوى الدعوة باقامة دورات توعية للمقبلين على الزّواج من الناحية الشرعية والتربوية والنفسية كما وننصح باقامة دورات توعية للأهل، ونحن في المجلس الاسلامي للافتاء على استعداد بالمشاركة والدّعم ومد يد العون والتعاون.
خ. انصح المدارس الثانوية على وجه الخصوص باستغلال حصة التربية في تدريس مادة أو مساق يسمّى التربية الأسرية.
د. انصح الأخوة الخطباء والوعاظ باستغلال المنابر وحلقات الوعظ بطرح هذه الموضوعات وعلاجها بالاسلوب الحسن.
وختاماً أشكر هيئة صحيفة المدينة على ريادتها بطرق مثل هذه الأبواب التّي لطالما كانت محكمة الاغلاق واتمنى عليهم بالاستمرار في معالجة مثل هذه القضايا من المنظور الشرعي والتربوي، فهنالك ملفات عديدة في هذا المضمار بحاجة إلى مزيد بحث وعلاج واهتمام مثل ظاهرة الطلاق والخيانة الزوجية وأكل حقوق البنات والأخوات في الميراث وغيرها من الخلافات المالية المنتشرة بين النّاس التي باتت ظواهر اجتماعية مؤرقة في حياتنا.

التعليقات مغلقة.