نشر في بواسطة عام.

الحلقة الأولى: “ربط الدّيون بعملات ثابتة نسبياً كالدّولار والذّهب ونحوه”
سبق وأن بيّنا في الحلقات السّابقة أبرز الأخطاء والمخالفات الشّرعية الشّائعة بين النّاس في عقد الصّرافة وعلى وجه الخصوص صرافة الشيكات وما نجم عن ذلك من تجاوزات للأحكام الشّرعية المتفق عليها، وفي هذه الحلقة نتحدث عن ظاهرة أخرى منتشرة بين النّاس في التعامل الماليّ وهي ربط الدّيون بالذّهب أو بالدولار أو بعملة ثابتة نسبياً أو بمستوى غلاء الأسعار أو بسلة السّلع أو بعملة حسابية، وصورة ذلك أن يُقرِض شخص آخر مثلاً مبلغاً وقدره 10.000 شاقل على أن يقوم المقترض بتسديد المبلغ للمقرض بحسب قيمته بالدّولار يوم الإقراض، فإذا كانت قيمة 10.000 ش يوم الإقراض مثلاً تساوي بالدولار 2500$ فإنّ المقرض يشترط على المقترض بأن يسدّد له 2500$ سواءً ارتفعت قيمة الدولار يوم السّداد أم هبطت، وفي بعض الحالات يشترط المقرض على المقترض أنّه: إن ارتفعت قيمة الدّولار ومثال ذلك: كأن تكون 10.000 ش يوم القرض تساوي 2500$ ويوم السّداد كانت تساوي 2000$ – فإنّه في هذه الحالة يجب أن ترد المبلغ المقترض وهو 10.000 ش بحسب قيمته بالدولار يوم الإقتراض وهو 2500$ وأمّا إن انخفضت قيمة الدّولار وذلك كأن كان يساوي المبلغ المقترض وهو 10.000 ش يوم الإقراض 2500$ وأصبح يوم السداد ال 10.000 ش تساوي 2700$ فإنّه بهذه الحالة يلزمك أن ترد عليّ 10.000 ش أو 2700$.
وهذا التعامل محرّم بلا خلاف بين أهل العلم بجميع صوره وأشكاله سواءً تمّ ربط الدّين بعملة ثابتة نسبياً كالدولار أو اليورو أو الذّهب أو بمستوى غلاء المعيشة.
وهذا ما توصل إليه المجمع الفقهي في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت في الفترة 1ـ 6 جمادي الأولى 1409ه الموافق 10ـ 15/12 1988م، حيث جاء في القرار: “العبرة في وفاء الديون بأمثالها فلا يجوز ربط الديون مهما كان مصدرها بمستوى الأسعار”.
وذلك لأنّ الربط بهذه الأمور السّابقة يؤدي إلى غرر وجهالة, بحيث لا يعرف كل طرف ماله وما عليه، ويؤدّي إلى عدم التماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه، وهذا كله يؤدي إلى الظلم والتنازع والاختلاف والرّبا.
وجاء في قرار مجمع الفقه في دورته المنعقدة ببروناي دار السلام بتاريخ 6/1993: “الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها”.
وجاء أيضاً في قرار المجمع رقم 75 (6/8): لا يجوز شرعاً الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بشيء مما يلي :
‌أ. الربط بعملة حسابية .
‌ب. الربط بمؤشر تكاليف المعيشة، أو غيره من المؤشرات .
‌ج. الربط بالذهب أو الفضة .
‌د. الربط بسعر سلعة معينة .
‌هـ. الربط بمعدل نمو الناتج القومي .
‌و. الربط بعملة أخرى .
‌ز. الربط بسعر الفائدة .
‌ح. الربط بمعدل أسعار سلة من السلع .
وذلك لما يترتب على هذا الربط من غرر كثير، وجهالة فاحشة، بحيث لا يعرف كل طرف ما له وما عليه كما سبق أعلاه، فيختل شرط المعلومية المطلوب لصحة العقود.
فالمقصد الشرعي من مشروعية القرض أن يكون عملًا من أعمال البر والإرفاق بالمقرض؛ ولا يصح للمقترض أن يتخذ القرض طريقًا لاستثمار ماله والحفاظ على قيمته، والمخرج الفقهي في هذه الحالة أن يُقرض الدّائن ابتداءً بالذّهب أو الدّولار أو اليورو على أن يُسلّم المُقرِض للمقترض بالفعل ذهباً أو يورو أو دولار لا أن يُقرض بالشاقل بالفعل ويربطها بالدّولار أو بالذّهب أو اليورو كما يفعل كثير من النّاس.
وفي هذا القدر الكفاية لمن أدركته علوم العناية، على أمل أن نلتقي الحلقة القادمة على ظاهرة أخرى من ظواهر التعامل الماليّ المحرّم إن كان في العمر بقية.

اكتب رد

  • (لن يتم نشره)