ضوابط الإفتاء:

إنّه من الملاحظ في الآونة الأخيرة انتشار التساهل والتسامح في قضايا اتفقت كلمة علماء الأمة من سلفنا الصّالح ومن لحق بهم بإحسان على مدار قرون من الزّمان على منعها وتحريمها، وممّا يؤسف له أن تظهر ملامح هذا التساهل على سلوك بعض أهل الإستقامة ممّن لا نشك في صدقهم وحسن سيرتهم ولكنّهم كانوا ضحية التطور والانفتاح والقنوات والشبكات العنكبوتية وغيرها من قنوات التواصل الحديثة المعاصرة التي انخرمت عن المذاهب الفقهية المعتبرة ممّا أدّى إلى أن تنقسم الأمة إلى طرائق قدداً نتيجة تسور سوار الإجتهاد من ليس له بأهل.

لذا تجنباً لهذا المنزلق والمنعطف الخطير وكي لا تقع أخي الكريم وأختي الكريمة في براثن فوضى وعبثية الفتاوى المعاصرة ننصحك بما يلي:
أولا: لا تأخذ الفتوى إلا من أهل الاختصاص الثقات، الذين اشتهر عنهم العلم والعدالة الظاهرة.
ثانيًا: لا تقبل إلاّ فتوى مسنودة إلى مذهب فقهي معتبر من المذاهب الأربعة، وإيّاك والخروج عن المذاهب الأربعة إلاّ لحاجة أو ضرورة مسوغة بناءً على اجتهاد جماعي كقرار مجمع فقهي دوليّ وإيّاك إيّاك والإجتهادات الفردية المعاصرة!!
ثالثا: تجنب الفتاوى التي تصادم الواقع المعاش وضروريات الحياة أو مقصداً من مقاصد الشريعة.
رابعا: إيّاك والفتاوى التي تثير الفتنة داخل الصف الواحد وتدعو إلى التحامل والتطاول على العلماء، خصوصًا إذا كانت من المسائل المختلف فيها، كمسألة السنة القبلية يوم الجمعة، ومسألة قنوت الفجر، والجهر بالبسملة، وغيرها من المسائل المختلف فيها بين المذاهب الفقهية الأربعة، والتي وسعت سلفنا وعلماءنا من قبل، وتلقوها بالقبول وعدم الإنكار.

خامساً: إيّاك وتتبع الرّخص فإنّ من تتبع الرّخص خشي عليه الخروج عن ربقة التّكليف: وذلك لأنّ تتبع الرخص في كل مسألة مختلف فيها مؤدٍ إلى إسقاط التكليف؛ لأنّ له أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف.

قال الإمام سليمان التيمي رضي الله عنه: “إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله” قال أبو عمر ابن عبد البر: “هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً” انظر: (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/ 92، والإحكام لابن حزم 6.    (317

وقال الأوزاعي: “من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام” انظر: سنن البيهقي الكبرى رقم (20707) 10/211).

وقال الإمام أحمد:” لو أنّ رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع (يعني الغناء) وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا”. انظر: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال رقم (171) ص206

وقال الشاطبي: “فإذا صار المكلّف في كلّ مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها هواه فقد خلع ربقة التقوى وتمادى في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه”. انظر: (الموافقات للشاطبي 2 / 386 –387).

وقارب النّجاة من الوقوع في مستنقع تتبع الرّخص الذي قد يفسد عليك دينك وسلوكك هو: الإلتزام بمذهب فقهي من المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة بكل جزئياته وقواعده وتفاصيله بحيث لا تخرج عنه إلاّ لحاجة أو مشقة، على ألاّ تخرج عن دائرة المذاهب الأربعة كما سبق  إلاّ بقرار صادر عن مجمع فقهي عالمي معتبر.

فبهذا المنهج تحفظ عليك دينك الذي هو عصمة أمرك وتكون على طريق واضح المعالم والسلوك، وإلاّ فإنّه يخشى عليك من الترخص المذموم الذي قد يهوي بك إلى الزندقة من حيث لا تدري!!

ثمّ أنّى للورع أن يظهر على جوارحك وأنت كالتاجر تبحث عن مصلحة نفسك، فإن وجدتها  في الصباح مع الحنفية أصبحت حنفياً وإن وجدتها في المساء مع المالكية أمسيت مالكيا، وإن وجدتها في الظهيرة مع الشافعية أضحيت شافعيا وبتّ حنبليا.

وبذلك إذا التزمنا أيّها الأخوة وأيتها الأخوات  بهذه الضوابط، سواءً على مستوى العلماء أو على مستوى العوام، نستطيع أن نحافظ على هويتنا الفقهية والعقدية والفكرية من الهوى والزيغ والبدع والضلال والعياذ بالله تعالى من ذلك!!